ابن أبي الحديد
42
شرح نهج البلاغة
ومن كلام الفضيل أيضا : من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه . وقد جاء في الأحاديث المرفوعة ذكر العزلة وفضلها ، نحو قوله عليه السلام لعبد الله ابن عامر الجهني ، لما سأله عن طريق النجاة ، فقال له : ( ليسعك بيتك ، أمسك عليك دينك ، وابك على خطيئتك ) . وقيل له صلى الله عليه وآله : أي الناس أفضل ؟ فقال : ( رجل معتزل في شعب من الشعاب ، يعبد ربه ، ويدع الناس من شره ) . وقال عليه السلام : ( إن الله يحب التقى النقي الخفي ) ( فوائد العزلة ) وفي العزلة فوائد : منها الفراغ للعبادة ، والذكر والاستئناس بمناجاة الله عن مناجاة الخلق ، فيتفرغ لاستكشاف أسرار الله تعالى في أمر الدنيا والآخرة وملكوت السماوات والأرض ، لان ذلك لا يمكن إلا بفراغ ، ولا فراغ مع المخالطة ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء ، ويعتزل فيه ، حتى أتته النبوة . وقيل لبعض الحكماء : ما الذي أرادوا بالخلوة والعزلة ؟ فقال : دوام الفكر وثبات العلوم في قلوبهم ، ليحيوا حياة طيبة ، ويموتوا موتا طيبا . وقيل لبعضهم : ما أصبرك على الوحدة ؟ فقال : لست وحدي ، أنا جليس ربى ، إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه ، وإذا شئت أن أناجيه صليت . وقال سفيان بن عيينة : لقيت إبراهيم بن أدهم في بلاد الشام ، فقلت له : يا إبراهيم ،